Jeudi 13 août 2009 4 13 /08 /Août /2009 18:36
يبحث شاب عن فتاة ببشرة بيضاء ناعمة، وثقافة محدودة، وموهبة في الطبخ وتدبير شؤون البيت، برأس منحني منصاع لطلباته ومزاجه المتقلب داخل المنزل، وبجسم خاضع في المشية تابع لظله في الشارع، وبحياء مبالغ وطاعة مطلقة أمام عائلته الموقرة، وخاصة أمه. فتاة لم يراها أو يسمع عنها من قبل، سمعتها غير "متداولة"، لا بالخير ولا بالسوء، لم تطل أبدا من نافذة بيتها، رغم أنه قضى شبابه في الارتياد على بيوت نساء كثيرة، نساء من كل حدب وصوب. فهو لم يفكر قط في إصلاح أخطاء تسبب فيها، أو شارك في إحداثها، وربما لو فعل لكان أفضل له من أن يجرع عقدا ترسبت من ماضيه لبريئة لم ترى من خير الدنيا إلا ما عاشته بين أحضان والدين حرصا على حمايتها من أمثاله، ليصبح الزواج سجنا لها ومنفذا له من ماض ملوث يريد التخلص منه ومحوه بزواج تقليدي أكثر منه شرعي. فتاة من عائلة متواضعة، لتقبل بأي مهر كصداق وبأي طريقة للزواج، متواضعة لدرجة تسمح له أن يتبختر عليهم فقط بكونه "ولد الناس وباغي المعقول". وبهذا تكتمل رجولته، نوع من الرجولة ينتفي أمام امرأة ذات شخصية مستقلة وآراء نافذة، وأحلام تخترق قلبها عبر بريق عينيها، فهي رجولة لا تتحقق إلا إذا داس على ماهية المرأة ودفنها وسط كومة من الأوامر والنواهي التي غلبا ما يلفها في قالب ديني، تحث غطاء الحرام والحلال، حتى يتسنى له صياغتها بحرية تامة، وما هي إلا أنانية ذكورية محضة، تقتص من حقوق المرأة ما وجب لها شرعا، دون سبب حقيقي غير حبه في فرض السلطة والتعالي.

يبحث شاب عن فتاة بقدر متوسط من الجمال، ومستوى ثقافي يتجاوز السطحية بعض الشيء إلى حب الاستطلاع، بعقل قادر على استيعاب ما تروجه نشرات الأخبار من دعايات سياسة حتى يتسنى له أن تؤنسه في ساعات الخلوة مع التلفاز، عازفة بذلك عن ثقافة المسلسلات المدبلجة. والمهم الأهم، براتب شهري يبعث على الاطمئنان، يذره عمل ما أحلى لو كان في "الحكومة"، ليضمن، "والضامن هو الله"، اقتسام القوامة بالنصف، وليزيح عن كاهله نصف هموم الكراء وفواتير الماء والكهرباء والهاتف، وديون السيارة ومصاريف المأكل والملبس، وحتى مسؤولية اتخاذ كل القرارات. فلابأس إن "تكلمت"، وسارت معه في الشارع جنبا إلى جنب، وشاركت الحديث مع أفراد الأسرة، وأمرت في بيتها ونهت بنسبة ما شاركت به في مصاريف البيت! ولا بأس إن ساعدها بين الحين والآخر حين يصفو مزاجه في إعداد وجبة الإفطار! هو في الحقيقة يبحث عن راتب شهري بفتاة، لا ضرر إن كان لديها "ماض"، الأهم أن تكون قد أخطأت مع شخص تحبه، كلما زاد الراتب ضعف اهتمامه بتجاربها السابقة، يبرمج معها الحياة كما يبرمج لمديره في العمل صفقة مربحة. ويأتي الحب في الدرجة الثالثة، ليعيد للحياة الزوجية بعض الروحية ويزيح ماديات النهار الموحشة. ليصبحا رمزا للمساواة في عصر الغلاء، ندرت فيه كلمة الرجولة في أنفس الرجال كما يندر اللؤلؤ في قلب المحار.

يبحث شاب عن فتاة من عائلة "مقتدغة"، أي مقتدرة بالنكهة الفاسية. أو بتعبير آخر، يبحث شاب عن رأس مال في جسد جميل. بفتاة بأبيها ليست معجبة بقدر ما هي مقربة من رصيده البنكي، ليسل منها الدراهم سلا ويجعلها وعائلتها سلما يقربه من أحلامه التي ترسبت من طفولة فقر موحشة. ورغم أنه كبر في البادية، وعاش فيها ما نحث في نفسه شامات لن تقدر أموال المستقبل على ترقيعها، إلا أنه بحنكة وذكاء استجمعهما من مرارة العيش استطاع بمرونة فائقة الاندماج مع النمط الارستقراطي للعائلة الجديدة الحاضنة، وكأنه لم يعرف شيئا غير تلك العادات المزركشة الثرية. فتاة لم تطل فقط من النافذة، إنما خرجت من البيت، وخرجت من الحي، و"خرجات على راسها". لكن رائحة دراهم الحما الكريم تمحو أخطاء الماضي وحتى الحاضر. فلا يظل من هذا الزواج المثير سوى نظرية "ماكيافيلي" التي لطالما تبناها شباب وتجرع الأبناء فشلها بعد تشتت الأسر وانهيار الروابط والأسس الأخلاقية.

شباب ساءت اختياراتهم، رغم تفننهم في الاختيار، وأصبح الزواج وسيلة لاستدراك ما فاتهم من سعادة أو ما فوتوا بأخطاء الصبا، لا غاية لاستكمال نصف الدين، ومساعدة أنفسهم وزوجاتهم على استكمال النصف الآخر
Par LadyMayssa - Publié dans : عمود المساء **بقلب مفتوح
Ecrire un commentaire - Voir les 0 commentaires
Retour à l'accueil

Recherche

Présentation

Créer un Blog

Calendrier

Juin 2012
L M M J V S D
        1 2 3
4 5 6 7 8 9 10
11 12 13 14 15 16 17
18 19 20 21 22 23 24
25 26 27 28 29 30  
<< < > >>
Créer un blog gratuit sur over-blog.com - Contact - C.G.U. - Rémunération en droits d'auteur - Signaler un abus